الإعلانات
ثقافيةمجتمع

“المرقطان” بمدينة فاس… أقدم سوق في التاريخ أو “الوول ستريت” العشوائي

فاس/ حنان الطيبي
في فاس العالمة، العاصمة الروحية والثقافية للمغرب، وعلى بعد جامعة القرويين لمؤسسته فاطمة الفهرية بحوالي عشرين مترا، نجد سوق “المرقطان” الشهير بالمدينة؛ حيث تختلط فيه النساء والرجال لتجمعهم مهنة “الدلالة” على السواء.
مباشرة قبالة “ضريح سيدي أحمد التيجاني”، يتواجد سوق “المرقطان” في مدخل حي عتيق سمي على إسم السوق، رائحة البخور الفاسي والعود تزكم الأنوف، وعلى الجدران نقوشا وعلامات تآكلت مع مرور اثني عشرة قرنا من الزمن من عمر العالمة فاس.
يفتح سوق “المرقطان” الشهير كل يوم لمدة ثلاث ساعات، من العاشرة صباحا إلى غاية الواحدة بعد الزوال، وفي المساء يتحول السوق إلى بيع “الجلود” ويشتغل كذلك ثلاث ساعات فقط من الثالثة مساء إلى الخامسة مساء، كان بادئ الأمر يتواجد سوق المرقطان داخل قيسارية الكفاح بالقرب من ضريح المولى إدريس الثاني، وظل كذلك لعصور من الزمن، إلى أن تم نقل السوق نفسه إلى جوار “سيدي أحمد التيجاني” قبل حوالي ثلاثة عقود.
سوق المرقطان الذي يباع ويشترى فيه كل شيء، أثاث منزلية وملابس مستعملة وسجادات وزرابي وأفرشة …،لا أحد يعلم تاريخه ولا مدة تواجده، إلا أنه قديم قدم فاس، أما تسميته فيقول البعض أن أصلها من اللغة العربية وبالضبط من كلمة “رقط – يرقط”؛ بمعنى اختلط سواده ببياضه ورشت عليه الألون، وذلك رجوعا للألون المختلفة التي يرتديها الناس بحيث يظهر السوق في رؤية شاملة أنه “مرقط”، أما البعض الآخر فيرى أن كلمة “مرقطان” تعود إلى الدارجة المغربية من أصل كلمة “رقط” التي تحولت بكثرة التداول إلى كلمة “ركط” وتعني الازدحام الكثير أو المكان المزدحم بالناس، وفوق هذا وذاك يرجح آخرون أن الكلمة “مرقط” في حد ذاتها قد تعني “سوق” لذلك ربما كانت كلمة « MARKET » أصلها من العربية.
“الدلال” تلك اللوحة “الإليكتروبشرية” التي تظهر عليها القيم والأثمنة:
الدلال هو ذلك الرجل الذي يحمل فوق كتفيه أو بين يديه، عاليا، البضاعة المراد بيعها، يصرخ بأعلى صوته عن الثمن المطلوب في البضاعة من طرف صاحبها، ويبقى الثمن قابل للارتفاع أو الانخفاض إلى أن يرقى إلى رضا صاحب السلعة.
ليس سهلا أن تكون دلالا، فذلك يتطلب قوة جسدية ونفس عالي وصوت مسموع وواضح، كما أن مهنة الدلال لا تمارس إلا بترخيص من السلطات المختصة.. وليس كل من يريد امتهان الدلالة يمكنه أن يصبح دلالا بين عشية وضحاها.. فالدلال عادة ما يكون معروفا بين الجميع ومحل ثقة بينهم بإخلاصه في عمله وبشطارته وكذا بالثقة التي توفرها له رخصة مزاولة المهنة.
السيدة “زهرة” دخلت مع ابنتها سوق “المرقطان” وهما تحملان ستائر من حرير، توجهتا مباشرة إلى العم “إدريس” الدلال، وقالتا له إنهما تطلبان أن “يدلل” لهما الستائر بثمن 5000 درهم/ ما يعادل 500 دولار…وبقيت الأم وابنتها واقفتان إلى جنب الحائط تنتظران النتيجة..
كلمات تجارية خاصة تستعمل في سوق المرقطان (زيادة وزيادتين):
حمل “إدريس” الستائر بين يديه وصار يتجول بها في السوق ويصيح بصوت عال “ستائر حرير ستة أمتار.. لونها بنفسجي أصلي لا يبهت أبدا.. لم تستعمل سوى شهرين..ما تزال جديدة…”
هنا سمعته امرأة في السوق فنادت عليه: “كم ثمنها؟”.
إدريس: صاحبتها تطلب 5000 درهم
المرأة: إنها لا تساوي أكثر من 1500 درهم
امرأة أخرى تتقدم نحو إدريس الدلال: 2000 درهم ، ولك الحلاوة.
هنا عندما تدخلت المرأة الثانية فهذه العملية تسمى ب “المزايدة” لأنها زادت على الثمن الذي حددته المرأة الأولى للستائر.. وكلما تدخل شخص وزاد عن الثمن الذي حدده الشخص الذي قبله “ولو بدرهم واحد” تسمى مزايدتين، ثم ثلاث مزايدات ثم أربع مزايدات… إلخ. وبذلك تتم عمليات المزايدة على السلعة التي يحملها الدلال ويطوف بها في السوق إلى أن ينتهى عدد المزايدات، كما في سوق البرصة والأسهم تماما، ليعود إدريس الدلال الذي يشبه لحد كبير “سمسار البورصة”، إلى زبونته لكي يعرض عليها الثمن الأخير الذي سوته البضاعة.
“البرغازة” … المؤشر المالي الأول والأخير في سوق المرقطان:
تعتبر “البرغازة ” سيدة السوق الاولى والمتحكمة في المؤشر المالي والتجاري للسوق، ف”البرغازة” تمارس مهنة “الدلالة” هي أيضا، إلا أنها تختلف عن الدلال في أمرين بسيطين مهمين:
أولهما أنها لا تبرح مكانها أبدا، إذ تجدها تفترش الأرض وقد وزعت على الأرضية سلعتها التي سبق واشترتها لتعيد فيها البيع بهدف الربح.
ثانيا: البرغازة عادة ما تكون امرأة ونادرا جدا جدا ما نجد “برغاز” رجل في السوق، والبرغازة أيضا تجمع بين مهنتي الدلالة و”البرغزة”، بمعنى أنها تبيع وتشتري وتدلل وترفع من الثمن وتخفض وتتحكم في كل شيء من مكانها ومن دون أن تحرك ساكنا.
ثالثا وهذه أخطر نقطة؛ وهي أن الدلال لا يستطيع أن يفاصل أو يقيم سلعة عرضت عليه للدلالة قبل أن يستشير البرغازة التي تعطيه الأمر بالانطلاقة محددة له الثمن الأولي أو المبدئي للسلعة؛ فالمرأة الأولى التي حددت ثمن الستائر الحريرية للسيدة “زهرة” في ثمن 1500 درهم هي ليست امرأة عادية وإنما هي “برغازة” محترفة مهمتها اقتناص السلع الجيدة بالأثمنة الهزيلة قصد الربح السريع وبطريقة ذكية تجعلها تتحكم في المنحنى المادي والاقتصادي لمسار البضاعة المعروضة في رحلتها التجوالية في السوق على أكتاف “إدريس الدلال” منذ انطلاقها إلى غاية بيعها.
بعد الدلال والبرغازة يأتي البراني:
كلمة براني باللهجة المغربية تعني غريب أو دخيل، وعادة في سوق المرقطان تطلق هذه الكلمة على الشخص الذي ليست له علاقة لا بالدلالة ولا ب” البرغزة”، بل غالبا ما يكون مجرد زائر متجول ليس لديه ما يبيعه وغالبا لا ينوي شراء شيء…
بعد كل هذا وذاك وبعد حوالي ساعة ونيف، يعود الدلال “إدريس” إلى السيدة “زهرة” ليخبرها أن ثمن الستائر لا يتجاوز ال 3000 درهم، إلا أن “زهرة” رفضت البيع، وأعطت لإدريس عرقه “20 درهما”، ولو كانت الستائر قد بيعت بالثمن الذي تريده البائعة لكان “إدريس” حصل على الأقل على 500 درهم بما يخوله له قانون مهنة الدلالة وأيضا مكافأة صغيرة له.
في هذه الأثناء أعجب “البراني” بستائر زهرة، فتقدم نحوها وطلب منها كم الثمن، فأخبرته بثمن الستائر… ثم قال لها : “زوجتي ستفرح بهذه الستائر كثيرا تماشيا مع لون السجادة والفرش الذي نملكه..”، ثم مد يده إلى جيبه وأعطاها المبلغ كاملا..، فشكرته وهمت فرحة وابنتها لتخرج من سوق المرقطان..، وهنا رمق الدلال إدريس عميلة البيع والشراء التي تمت بين الشخص “البراني” و”زهرة”، فهرول إليها وطلب منها “حقه” في عملية البيع، فضحكت “زهرة” وقالت له :” ليس لك حق عندي لأن البيع تم من غيرك.. لكني سأعطيك حلاوة فقط لأنني فرحة بالبيع”..، ثم أكملت زهرة كلامها وهي تنظر إلى ابنتها قائلة: “ألم أقل لك يا ابنتي انه سوق المر- قطان فيه المر أكثر من القطان”، (وتقصد أن كمية التعب فبه أكثر من الناس القاطنين به أوالذين يضلون فيه كل يوم ).

الإعلانات
بواسطة
المغرب العربي بريس

اترك تعليقاً

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock
%d مدونون معجبون بهذه: