مدينة في زمن الكورونا .

المغرب العربي بريس
رأي
المغرب العربي بريس21 أغسطس 2020آخر تحديث : الجمعة 21 أغسطس 2020 - 6:18 مساءً
مدينة في زمن الكورونا .

أحمد لغنيمي .

أخذت السمش تلملم بقايا خيوطها الباهتة ايذاناً بالرحيل ، وأخذ الليل يبعث رسائل مبكرة تنذر بهبوط ثقيل فوق أرجاء مدينة باتت هتيكة الأزرار ومقطوعة الاثداء تمضغ حزنها غصة تلو الأخرى ، مدينة انهكها عشق شط العرب وأمنية الارتماء في احضانه الدافئة ، تنهّدت بعمق ألقيت نظرة على الشارع من خلال النافذة التي كنت أتمترس خلفها ، وقد بدت خيوط أشعة الشمس تتسلل منسحبة من بين الأزقة ، ووجه المدينة قد اكتأب فجأة وتهادت غيوم داكنة على علوّ منخفض ، بدأ وكأن السماء على وشك البكاء ، بعد مدة وجيزة انطفأت مصابيح الشمس ، وجيوش الظلام لم تندحر بعد ، إذ مازالت الرؤية ضعيفة لكنها توحي لك بالوحشة لمدينة ارادت ان تغادر صخبها ، وتنفلت من قيود اسوارها ، وتغط في نوم عميق ، كأنها تتمرد على نفسها او تعاقبها ، او تعلن العصيان ، او تهرب من المواجهة على غير عادتها ، فما يحدث فوق ارضها لا يعنيها ، ولا يشبهها ، وهي التي اعتادت الانتصار لوجودها في كل معركة ، ضد كل غازٍ أو محتلٍ ، فاستحقت بصمودها الاسطوري ان تكون سيدة المدن ، وملكة النخيل .

في هذا المساء الحزين تبدو احياء مدينتي شبه خالية إلا من الحراس الليليين وسيارات الشرطة وسيارات اسعاف متأهبة لأي طارئ صحي ، وبعض الراجلة العائدين من رحلة تسوق غلبتها عقارب ساعة حظر التجوال ، وثمة اضواء مصابيح مرتجفة غير آبهة بما قد يصيبها من شحوب وما يدور حولها من هلع وخوف ، حينها استوطنني الصمت وكل شيء حولي معدّا للصهيل ، تساؤلات كثيرة تُبحِروا في لغة صمتي ، فهل بمقدوركِ يا مدينتي أن تعيدي لي ملامح عشقي الاولى حين كانت تطوف بجواركِ بثياب أحرامها الطهور .. و لسانها يلهج في ابتهال شديد الصدق : لبيكِ يا مدينة لا شريك لكِ بين مدّن الدنيا في العشق ، ان الھوى والنور والجمال لكِ وحدكِ لا شريك لكِ ، وهل بمقدوركِ ان ترجعي بمثابة حبيبة قاصرة الطرف لم یطمثها من قبل مكر ولا رذيلة .

يبدو ان حروف تساؤلاتي اخطأت طريقها إلى إذنيّ الورق ، لأنها افرطت كثيرا في شرب الحبر المعتق بالنبل ، حتى تقلصّتْ شفتاها وأخذتا ترسمان تمتمة ملساء وهذيانًا يغلي ، جاءت ذات ليل أليَل تتراقص على جراحي وهي مخمورة حد الثمالة ، ومن ثم ترنحت وتقيأت علامات إعرابها ودخلت في غيبوبة طويلة ، ما ان افاقت من غيبوبتها أشعلت سيجارة ، سحبت نفساً عميقاً ، ثم كوّرت فمها وأطلقت سحابة كثيفة من دخان سيجارتها رخيصة الثمن ، كي لا تتعفن رئتيها بدخان الشياطين . حدّقت عميقاً بعينيّ لغتها شاحبة الوجه فوجدتها لغة ساكنة بلا حركات النصب والرفع والجر ، أرادت أن تقول شيئاً لكنها لاذت بصمتها المعهود الذي اعتادت عليه منذ نعومة اظافرها ، ودّت أن تصرخ بحرقة المثكلة ، أن تتقيأ ما في داخلها من بلاغة وفصاحة ، لكنها أحست بالكلمات تحرق صدرها ، فغلبت رغبتها ، وابتلعت حرقتها على مضض ، اشعلت سيجارة أخرى دون ان تنتبه بأن سيجارتها الأولى مازالت تنتظر دورها في الحرق ، وسرحت نظراتها تفتش في أرجاء العتمة عن ذاتها المسلوبة ، شاغلت رغبتها العارمة بالكلام الفارغ أو بأشياء ربما تكون تافه أمام هذه الصراع المحتدم بداخلها ، ويح هذا الصمت الذي لا مفر منه ، قالتها دون إرادة منها وهي تنفث سموم حسرة طويلة ممزوجة بالحزن .

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!