الانتهازية في زمن كورونا

المغرب العربي بريس
رأي
المغرب العربي بريس5 يونيو 2020آخر تحديث : الجمعة 5 يونيو 2020 - 11:47 مساءً
الانتهازية في زمن كورونا

ليس من عادتي انتقاد سلوكات الآخرين، لاعتقادي الراسخ بأن الاهتمام بالعيوب الشخصية أولى من تتبع عورات الغير، لكن أزمة كورونا غيرت فينا الكثير، وجعلتنا نتطبع بطباع جديدة لم نكن لنتقبلها لولا حياة الانكماش التي عشناها على مدى شهور ثلاثة اكتشفنا فيها الكثير عن أنفسنا وعن أبنائنا الذين لم نكن نعرف عنهم الكثير لانشغالنا عنهم بالبحث عن لقمة العيش، بل وحتى عن الغير الذين اكتشفنا أن بعضهم فعلا لا يخرج عن المقولة الشهيرة “الآخر هو الجحيم” وبعضهم لا يليق به عالم كعالمنا ولا حياة كحياتنا لعمق الصدق والصفاء في قلوبهم.

وكنت أتمنى ألا أنتقد أحدا لولا بعض السلوكات الانتهازية التي صارت متداولة في زمن كورونا، الذي تمنيناه زمنا لتآلف القلوب وتظافر الجهود لنمر جميعا بسلام إلى بر الأمان، لكن بعض المحسوبين على بني البشر اختاروا أن يسلكوا سلوكات لا يربطها بالإنسانية إلا جنس صاحبها الذي خلقه الله بشريا واختار لنفسه الانتماء إلى أجناس أخرى قد تأكل غيرها فقط للاستمرار.

قصص الانتهازيين في زمن كورونا كثيرة، وإن كان تفاوتها في الغرابة جعلنا نتجاوز عن الكثير منها، فأن يصل الجشع بصاحبه للاستفادة من صندوق الدعم المخصص لضحايا الحالة الوبائية التي تعيشها بلادنا وحسابه البنكي ممتلئ حد التخمة فمما لا يمكن لعقل بشري أن يقبله أو حتى يستوعبه، لأن الفطرة الإنسانية تسمو بصاحبها عن سفاسف الأمور، والتدني لهذه الحالة، في اعتقادي، يفقد صاحبة فطرته السليمة ويخرجه من آدميته التي خلق عليها إلى وحشية وتوحش اختارهما لنفسه.

ومع أن سلوكات غريبة طغت على مجتمعنا منذ عقود، فقد ظهرت في زمن كورونا ظواهر، ربما تفرغنا لبيوتنا ولملاحظة ما يدور حولنا جعلها جلية ظاهرة للعيان، ولولا ذلك كنا سنمر عليها مرور الكرام دون أن تثير حفيظتنا، لكنها مع ذلك تستوجب وقفة حقيقية لمحاصرتها قبل أن تتغول علينا وتصبح عصية على السيطرة.

ولأن السلوكات البشرية تظهر حقائق النفوس، فإن الصدمة تكون كبيرة إذا بدرت هذه السلوكات من أناس من المفترض أن يكونوا بعيدين عن التدني إلى مستويات كهذه، وصورة الأسواق التجارية الكبرى قبل ساعات من فرض الحجر الصحية على المغاربة يظهر كم الزيف الذي كنا نعيشه معتقدين أننا نعيش وعيا مجتمعيا عاليا في الوقت الذي كشفت فيه سويعات من الهلع كم الجهل والتخلف الرابضين خلف أصباغ الوعي التي كانت تغطي ظواهرنا.

ولأنني مؤمن حتى النخاع بقدسية الكرامة الإنسانية، فقد كنت دائما ضد المساعدات الاجتماعية المعتمدة على القفة، رمضانية كانت أو غير رمضانية، لكني مع ذلك تقبلتها في رمضان كورونا ولو على مضض، حتى رأيت بأم عيني أناسا لا يستحقونها أصلا يستفيدون منها ليبيعوها بمقابل مادي لآخرين من المفروض أنهم يستحقونها أكثر ممن باعوها لهم.

قد تكون الظروف فعلا ضاغطة، وقد تخلق الضغوط سلوكات جديدة مبنية على الخوف من المجهول، لكن هذا في الحقيقة نابع من روح جوفاء تعتقد أن سفينة الكون بدون ربان، وأن يتزيى الإنسان برداء الدين ظاهريا ويخشى تصاريف القدر، فمما يضعنا أمام أزمة عقدية تطرح سؤالا وجوديا حول حقيقة الدين والتدين في نفوسنا، لكن المجال ليس مجال البحث في هذه الإشكالية لأنها أكبر مما تحتمله عقولنا، وهنا مكمن المصيبة لأننا في مجتمع من المفروض أنه انتهى منذ زمن بعيد من حسم هذه الإشكاليات وأصبح الآن منشغلا في تنزيلها ومناقشة تفاصيلها.

رابط مختصر

اترك تعليق

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


شروط التعليق :

عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

error: Content is protected !!